منتدى قلعة المضيق
أهلا وسهلا زائرنا الكريم
نتشرف بإنضمامك إلينا



 
الرئيسيةس .و .جبحـثالأعضاءالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الموت و الفلسفة:

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
زاد الخير
مراقب عام
مراقب عام
avatar

الجنس : ذكر
المساهمات : 219
الميلاد : 28/07/1969
التسجيل : 14/08/2010
العمر : 49
العمل : عمل إنساني
المزاج : حال الطقس

مُساهمةموضوع: الموت و الفلسفة:    الجمعة سبتمبر 24, 2010 3:01 am


إننا لم نولد أحرارا قطّ، إننا محكوم علينا بالحياة، قبل أن نكون محكوما علينا بالموت. قولة قد تبدو بسيطة في صياغتها ولكنها تشير إلى مدلول فلسفي عميق، صرخة مفعمة بغير قليل من الشعور المزدوج بالاغتراب. فهو اغتراب الإنسان الذي لم يختر ولادته فوجد نفسه مورطا في هذه الكينونة المفروضة، وهو اغتراب الإنسان الذي صار محكوما عليه بالموت بمجرد أن دوى الوجود بصرخته الأولى. قد يمكن خطأ الإنسان الأول في اعتقاده بإمكان مواجهة الموت والفناء بمزيد من النسل الذي يملأ الفضاء، ظنا منه أن البدن يخلف البدن، والتراكم يعوض النقص، وهي رؤية توافق تماما نزوعه الطبيعي في مرحلة ما قبل الثقافة؛ ذلك أن "الإحســاس بالموت ينبــثق من الثقافــة بدرجــة تفوق انبثاقه من الطبيعة". وهذا يعني أن بحث الإنسان البدائي عن المعرفة خلال أطوار تطويعه لمصاعب الحياة ــ قاده بخطوات حثيثة إلى لقاء غير مرغوب فيه بالموت. وهذا الطرح المنطقي لعلاقة المعرفة بالموت يحيلنا بعنف على الخطيئة الأصلية الّتي نقلتها الأديان عن قصة طرد آدم من الفردوس بعد أن تجرأ على الأكل من شجرة المعرفة فعرض نفسه ونسله للنسبية الزمنية وللموت بعد أن كان ينعم بالخلود.

فأي مفهوم للموت لا يمكن أن يكون إلا ثقافيا، وأي شعور بالخوف منه لا يتعمق إلا بإعمال التفكير وتشغيل الطاقات التخيلية حيال مصير الإنسان المحاط بكل الأسباب والشروط المهددة بموته. فشرط الوجود الجسدي خلق بالغريزة الحرص على المحافظة عليه، ثم نما الشعور الغريزي بما تراكم من خبرات ومهارات ترجمها الوعي إلى أفكار مجردة تتطور باستمرار آخذة في بلورة نسقها الذي تمثل ــ بداية ــ في التفسير الأسطوري قبل أن تهجم الفلسفة الإغريقية عليه من خلال صراع العقل مع المنظومات السحرية والطقوسية. في محاولة الإقناع بأن الخبرة بالقدسي لا يمكن اكتسابها بنشوة صوفية يخلقها الطقس. ولا برؤية ميثولوجية تقدمها الأسطورة، كما يرى أفلاطون مثلا.

من هنا نرى أن الفلسفة اليونانية برمتها قامت على أساس تعلم الموت أو التدرب على مواجهته، فهذا سقراط يصرح أمام أتباعه قبيل تنفيذ حكم الإعدام فيه" "إن أولئك الذين يوجهون أنفسهم في الطريق الصحيح إلى الفلسفة يعدون بذلك مباشرة وبمحض إرادتهم، يعدون أنفسهم، لأن يموتوا وللموت. وإذا كان هذا صحيحا فهم، إذن، في الواقع يتطلعون للموت طول حياتهم. ومن غير المعقول إذن أن يضطربوا عندما يقدم الشيء الذي كانوا لأمد طويل يعدون أنفسهم له ويتوقعونه. والفلسفة بهذا المعنى تمرين فكري يعمل على إضعاف الهواجس والشعور بالخوف من الموت. أو هي فن التهيــؤ للمــوت بشجاعــة. بل أكثــر من ذلك يجهــر سقراط في يومــه الأخيــر بــأن "الفلاسفة الحقيقيين يجعلون الموت مهنة لهم". وبالنسبة له فإنه يفرق بشكـل قطعي بين الروح والبدن، فالبدن مرهون بما هو طبيعي خاضع لتغيراته وطوارئه، في حين ستستقل الروح بحريتها وبارتفاعها عن الزمن، وأي زعم باختلاطها بالبدن سيجعلها عرضة للقلق والخوف أمام موتها. لذلك كانت الحياة النفسية مرانا طويلا إراديا لتخليص الروح من البدن. وربما كانت هذه الفكرة قريبة من تخريجات أفلاطون الذي يدعو إلى تسليم البدن للزمن والموت، والبحث عن الحياة في مكان آخر. ولن يكون هذا المكان الآخر متحققا إلا في اكتساب المعرفة الخالصة. وقد بنى أفلاطون تصوراته عن الروح انطلاقا من التفريق بينها وبين البدن الذي أشرنا إليه قبل قليل فإذا "كان البدن يرد إلى التراب فإن الروح ترتبط بالموضوعـات الخالدة ولا تخضع لأي تغير"

إن الفلسفة اليونانية كما عند سقراط وأفلاطون تحاول الانتصار على الموت بالتأكيد على خلود الروح في العالم الآخر، بل إن الشخص الذي وجدت فيه هذه الروح سينعم هو الآخر بذلك الخلود. " ففي الخطاب الأخير لسقراط أمام المحلفين نراه يتوقع مباهج الحوار مع أرواح عظيمة مثل أورفيوس وهوميروس وأنه سيحاول أن يكتشف في هذا العالم الآخر، كما فعل في هذا العالم الراهن: أيهم الحكيم وأيهم يدّعي الحكمة وليس كذلك. وهذا يعني أن هناك تعارضا بين هذا المفهوم والمفهوم الأبيقوري الذي يجعل الموت لحظة حاسمة تتلاشى فيها الذرات المكونة للجسد والروح معا لينعم الكائن البشري بعدم مطلق بعد فنائه.

وإذا كانت الفلسفات القديمة قد انشغلت بالموت كمفهوم أنتولوجي شامل في سياق علاقة الجــسد بالروح مع تــباين واضح في القــبول بالتفـــسير الميتافيزيقي المتعالي أو رفضه، فإن الفلسفة المعاصرة قد واصلت أسئلتها حول الموت ولكن بإيقاعات مختلفة مع استحضار للتراكم الفكري القديم كمرجعية أساسية لم تفتقد طراوة التأمل وإمكانيات التفسير.

كما أن ظهور علوم أخرى في إطار البحث الفلسفي كالانثربولوجيا وعلم النفس، قد ساهم بكيفية بارزة في إثارة موضوع الموت ومعالجته من زوايا متعددة. وقد تنوعت مفاهيم الموت تبعا للتوجه الذي يصدر عنه الباحثون. حيث نجد أن معظم الأطروحات الفكرية تركز على تعريف الموت كفعل ثقافي أكثر منه كفعل طبيعي.

وهكذا نرى أن حقيقة موت (الآخر) تجلى في موت ما كان يتميز به من أخلاق وسلوكات أكثر ما تتجلى في تحوله إلى جثة فاقدة لكل حركة. فعند برينو كاست Bruno Castes " أن موت شخص محبوب، يعني موت شيء مرئي في الشخص الحي المحب، شيء يفتقد ويموت فينا" فالحب والعطف والطيبوبة يمكن أن تعوض أو تسترجع، ولكن ليس بنفس الخصوصيــة التي كان يسبغهــا الميت علينــا". هنا فراغ يخلق. ومعنى ذلك: "أن تموت يعني أن تقتل في "الآخر" كل شيء حي كوّنه عنك. فالميت يصبح قاتلا للعلاقة الطيبة التي سبق أن ربطها مع "الآخر" وسالبا لها. أما عن تأثيره كجثة، فهو يمنحنا فرجة ما سيحدث لنا: التحول إلى جثث.

إن الموت لا يكتسب فداحة الشعور برهبته إلا في سياق العلاقة بالآخر، ولذلك تكمن في الإنسان "غريزة الموت التي تعبر عن محاولة المرء العودة إلى حالة ما قبل الكينونــة، وهي حالة الكينونة بلا آخــر l'autre أي حالة اللاموضوع". ولربما عبر الانتحار عن عمق هذا الشعور باعتباره فعلا موجها من المنتحر إلى الآخر عقابا له أو تنبيها له عن خطأ كبير ارتكبه في حقه. وقد يكون الانتحار فرارا من ألم ما فيصبح الموت ملاذا ومأوى. ويعتقد روسيه Rousset أن النوم والانقطاع والحاجة إلى النوم والرغبة في الانقطاع كلها تمثل بالنسبة للمحلل النفسي أشكالا أخرى للموت. وهي كلها أشكال تدل على وجود غريزة الموت في الإنسان. وهناك مفهوم اجتماعي للموت استطاع أن يرقى إلى إذاقة الإنسان طعم الموت وهو حي يرزق، فقد "أقر في الكابون قانون كل محكوم عليه بالإعدام لا يقتل بل يشطب اسمه من الحالة المدنية، كما لو أنه لا يوجد، أو أنه منــبــوذ. إنه مــوت أقوى من أي مــوت آخر، إنه موت اجتماعي".

من هنا يتضح أن الإنسان استنتج من الموت الطبيعي للجسد تصورات ثقافية من أجل إقرار الموت كمفهوم رمزي يتجاوز آثار الانفصال التي يسببها موت الجسد. ثم، لِمَ ننظر دائما إلى الموت كحدث سلبي يفقدنا بهجة الحياة؟ فالموت يشكل مصدرا للدخل والكسب، فبفضله تباع التوابيت النفيسة والأماكن المفضلة في المقابر، ولا ننسى بائعي الزهور والأكاليل. وكل ذلك يصبح بشكل تلقائي مصدرا للكسب.

إن الموت ــ بهذا الطرح ــ يغدو مكملا لدورة الحياة التاريخية، فموت شخص ينتج عنه تفعيل لحياة أشخاص آخرين يرتبط شرط استمرارهم في الحياة بما يعقب الجنازة من بذل وإنفاق وإرث. وقد يكون الميت سفاحا أو ديكتاتورا بوصفه مسببا لموت الكثيرين، فيخف ــ بموته ــ إيقاع الهلاك. ومع ذلك تصبح هذه النظرة ممعنة في بساطتها، إذ لا تملك قدرة المواجهة الوجودية لما يتهدد حياة البشر. وهذا هو السبب الرئيس الذي دفع بعدد من المفكرين إلى دخول حلبة التأمل من أجل استنتاج أي تخريج عقلي يمنح الإنسان الشعور بالطمأنينـة. فعنــد كيركيجاردKierkegaard "أن الموت شيء لا يمكن تجنبه من حيث أننا أشخاص تاريخيون حقا. ولهذا السبب فإنه ليس حيلة أو خدعة قاسية من الطبيعة، ولا هو شيء مفروض غير عادل من القدر. فليس هناك أي شر في الموت. وفي الحقيقة ليس هناك شيء نهائي يمكن أن يقال عن الموت، لأن المــوت هو في نهايـة الأمر مجــرد حدث في تيار الصيرورة الذي لا يتوقف.

وبالنسبة للفلسفة الوجودية فإنها تؤكد أن الإنسان لا يدرك موته في حقيقة الأمر إلا من خلال علاقته بموت الآخر، خاصة إذا كان هذا "الآخر" قريبا أو عزيزا، مع أنه على علم بأن الموت يساعد "على تقويس الخط المستقيم الذي يسلكه منطق الحياة، ولا يزال ممعنا في حركته حتى يصيره دائرة تعطي للزمن فرصة الدوران حول نفسه والتفرج على حقيقة تعاقب الموت والحياة بطريقة تبادل الفعل والانفعال، تماما كما يحدث في رقعة الشطرنج : موت الشاه إيذان بانتهاء اللعبة ودعوة إلى بدئها من جديد ومن ثم لا يستطيع المرء أن يدرك موته الشخصي" فمادام حيا لا يتذوق الموت، وعندما يموت يكون الإحساس قد فارقه بمعنى أنه يعيش تجربتين منفصلتين لا تمكن إحداهما من إدراك أخرى. وقد كان ذلك سببا في الشعور بالعبث الذي أنتجه الوجوديون في شكل كتب نظرية وأخرى إبداعيـة. فحسب أبيـقـور "إذا كنا، لا يكون الموت، وإذا كان الموت لا نكون". وقد حاول أن يعالج مشكل الخوف ويحلل دواعيه. ومن ذلك خوف الناس من عقاب الآلهة على أعمال ارتكبوها، أو خوفهم كذلك من أن يولدوا من جديد بعد موتهم في أوضاع لا يرغبون فيها؛ لذلك يطمئن الخائفين من ذلك بقوله إن العالم ليس فيه آلهة نطيعهم ولا نظام كلي شامل علينا أن نلتزم به. وهو يرى أن الحياة عارضة لم توجد لعلة أو سبب؛ فكما ظهرت بالمصادفة فإنها ستختفي بذات الطريقة، ولا يبقى من أثر، وما دامت الروح مثل البدن مكونة من ذرات "مادية" فهي لن تحيا بعد موت البدن.

أما قضية الخوف من انتزاع الموت للذة السرور، فيعالجه أبيقور بما يلي: فما دمنا لا نستطيع التنبؤ بالمستقبل، فالأولى بنا ألا نتطلّع أبدا إلى مصدر سرورنا ولذتنا، وكل من يفعل ذلك يكون معرضا لأن لا تتحقق له هذه الرغبة، ويصبح بالتالي محبطا في مسيرة حياته. ذلك أن كل ما نطمح إليه في المستقبل معرض للتهديد الدائم من التغير والموت. ولعل أبيقور يحسم المسألة باعتبار الذوات كيانات تؤلفها الذرات، وعندما تتشتت هذه الذرات يحدث الموت. بمعنى أن الجسد الحي ليس موجها من قبل قوة خارجية، بل طبيعة في المادة ذاتها. ولذلك عاش مرددا شعاره المبدئي "اترك الموت يمتلك المستقبل وعش أنت الحاضر". وإذا كان طرح أبيقور لمسألة الموت طرحا يزاوج بين النبرة الوجودية والتخريج العلمي، فإن الفكر الوجودي المعاصر عمل هو الآخر على الابتعاد من المسلمات الدينية والهروب من الميتافيزيقا إلى التبرير الكلامي والتفسير العلمي في محاولة نفي المــوت عن علاقة الإنســان بذاتــه، لأن هذا المــوت ما هــو إلا "حدث واقعي ماثل في صميم الحياة منذ البداية، وكأنما هو واقعة مستمرة لا تكاد تنفصل عن فعل وجودي نفســه". وأي فصل بين التجربتين المندمجتين الحياة/ الموت، يلقي بصاحبه إلى الشعور بالخوف الرهيب من مأزق الانتقال من مرحلة الحيوية والامتلاء إلى مرحلة الفناء والمجهول. وعلى هذا الأساس يسارع فريديريك نيتشهNietzsche إلى تقديم تأويل فلسفي ينجح في تشخيص هذا الفصل المؤلم بين التجربتين حيث يقول: إذا كنا نعيش متجهين إلى الأمام، فإننا نفكر دائما متجهين إلى الوراء. هذا يعني أننا لا نوازي زمنيا بين العيــش والتفكير، وبين الذاكرة، هذه الخزانة الكبيرة التي تحتفظ بكل الذكريات التي هي سبب تعاستنا، لذلك يبادر نيتشه إلى علاج هذا المأزق الوجودي بنظرية العود الأبدي حيث يقول: كل شيء يمضي، كل شيء يعود، وتدور إلى الأبد عجلة الوجود، كل شيء يموت، كل شيء يتفتح من جديد، وخالدا يمضي زمن الوجود، الأشياء كلها تعود في خلود، ونحن أنفسنا كنا بالفعل مرات لا حصر لها ومعنا الأشياء. لكن ما يلاحظ على نظرية العود الأبدي هو طرح نسق يؤمن بالشمولية والخلود، ولكنه يلغي القيمة الوجودية للشخص في حد ذاته، ويسلبه خصوصيته الفكرية والوجدانية، مما يجعل هذا الطرح مناقضا تماما لما كفلته الأديان السماوية للإنسان من حق الوجود الذاتي، واختيار المصير الذاتي الذي لن ينتهي بفناء الجسد.

لقد حاولت الفلسفة الوجودية ــ بتشعب تياراتها ــ أن تنفض يديها من الموت كظاهرة خاضعة للتجربة والبحث؛ فحسب جان بول سارتر إن الموت طالما لا نستطيع إدخاله ضمن التجربة الذاتية، فينبغي ألا نفكر فيه بالمرة" لأن أية محاولة للفصل بينه وبين الحياة وإدراجه كحالة خارجية دخيلة من شأنه أن يساعد على تضخيم شبح الخوف الميتافيزيقي منه. من هنا نرى إجماع عدد كبير من الفلاسفة الوجوديين على أن الموت "حدث واقعي ماثل في صميم الحياة منذ البداية، وكأنما هو واقعة مستمرة لا تكاد تنفصل عن فعل وجودي نفسه". وبالرغم من هذه التخريجات الفلسفية التي حاولت التسليم بالموت كمعطى وجودي متصل بالحياة وملتحم بها، فإن ذلك لم ينقذ الفلاسفة من ورطة مواجهة الموت من خلال موت الآخر الذي قد يكون صديقا أو قريبا عزيزا؛ لأن بموته تفتقد أشياء كانت مرتبطة به، فيتحول هو إلى شيء، لأن من طبيعة الأشياء ألا تتكلم ولا تجيب؛ وهكذا تغدو الجثة شيئا جامدا قبل أن تتحلل وتشرع في الاندثار شيئا فشيئا. والملاحظ أن الفكر الوجودي لم يحسم معركته مع المـوت، فقـد ظـل المجهـول يحاصره من كـل جانب؛ وهـذا ما دفع شوبنهاورلى إعلان اعتراف شبيه بالشكوى المؤلمة: لو كنا على ثقة تامة من أن باب الموت هو بلا شك فاتحة جديدة وسبيل النفس إلى الراحــة الأبدية التامــة، لما ترددنا جميعــا في المبــادرة إلى الخلاص بالموت". ومعنى ذلك أنه بالرغم من المداد الكثير الذي أسالته أقلام الفلاسفة الوجوديين، وهم بصدد التأويل الثقافي لظاهرة الموت، فقد انفلتت مناطق سحيقة لم يستطيعوا محاصرتها بأسئلتهم وأجوبتهم. فالموت يبقى متلبسا بآفة الفقدان، كالخوف من فقدان القدرة على الحب أو الخوف من فقدان القدرة على الإبداع. إلا أنهم يكادون أن يجمعوا على أنه ينبغي ألا ينظر إلى الموت كفعل دخيل، أو تجربة غريبة تنزل بالإنسان كعقاب أخير يفنيه، ويذيقه أهوال الألم عند الاحتضار مثلما هو شائع في أفهام عامة الناس. فالوجود صيرورة، وهو سابق على الماهية؛ لذلك فإشكالية الموت هي التي تدعم هذه الصيرورة؛ ولولاها لما كان الإنسان متجها بفكره وتطلعاته دائما إلى الأمام.و قد قال نيتشه على لسان زاردشت مطمئنا المهرج المحتضر الخائف من موته الوشيك الذي سيتيح للشيطان حمله إلى الجحيم: وشرفي يا صديقي إن ما تذكره لا وجود له، فليس من شيطان وليس من جحيم، إن روحك ستموت بأسرع من جسدك، فلا تخش بعد الآن شيئا". وينظر نيتشه إلى الموت باعتباره اختيارا وحرية، وهو بذلك، يدعو إلى تخير أوانه عن طريق تحقيق النضج في الحياة وبلوغ المقصد. فيكون الموت تتويجا أخيرا لحياة ناضجة ومليئة بالمكاسب. لذلك يرى أن المسيح قد مات قبل أوانه، أي قبل أن يبلغ مرحلة النضج؛ ولو كان تم له ذلك لعدل عن كثير من تعاليمه. إن الموت بالنسبة إليه مصير طبيعي يؤول إليه الجسد بابتهاج، وليس عقابا ميتافيزيقيا، لذلك يطلب من الناس الإقلاع عن ذكر الآلهة، والمبادرة إلى إيجاد الإنسان المتفوق SUPERMAN . فهذا الإنسان هو الذي يستطيع أن يعيش الحياة كما ينبغي أن تعاش. وهو في النهايــة يستطيــع أن يموت باختيــار وحرية في الوقت المناسب.




[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عدنان مظلوم
مؤسس المنتدى
مؤسس المنتدى
avatar

الجنس : ذكر
المساهمات : 562
الميلاد : 15/02/1987
التسجيل : 17/04/2010
العمر : 31
العمل : طالب جامعي
المزاج : الحمد لله

مُساهمةموضوع: رد: الموت و الفلسفة:    الجمعة سبتمبر 24, 2010 9:55 am

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]




[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almadeek.yoo7.com
 
الموت و الفلسفة:
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى قلعة المضيق :: {~~ الأقسام المنوعة ~~} :: القسم العام-
انتقل الى: